عبد الملك الجويني
267
الشامل في أصول الدين
يصلح أن يكون اعتمادا للذي فوقه . وأبو هاشم يقول : إنما يكون العماد عمادا لما فيه من الاعتماد ، ويجوز عنده قيام اعتمادات بالجزء الواحد . فأحط بمذهبهما علما لتستعين به على نقض أصولهما في مذاهب الكلام . ومما اختلفا فيه ادراك الأكوان . فذهب الجبائي إلى أن الحركة مدركة بحاسة البصر واللمس . والسكون مدرك أيضا عنده بالحاستين . وأبى أبو هاشم ذلك أشد الإباء ومنع تعلق الإدراك بالأكوان . واستدل الجبائي بالطريقة التي تقدمت له ، وهو التمسك باختلاف المناظر . ووجه تحقيقها في هذه المسألة أن من رأى جوهرا ساكنا ثم رآه متحركا فيفصل بين منظرتيه ضرورة ويدرك بينهما تفرقة بديهية كما يدرك التفرقة بين الأسود والأبيض . فوضح بذلك أن الحركة مدركة . العلو ، واعتماد من جهة السفل . والذي ارتضاه القاضي منع تضاد الاعتمادات . واختلف الجبائي وابنه في تضاد الاعتمادات . وسبيلنا أن نذكر جملة ما يتعلق بمذهبنا ، ثم ننعطف على ذكر اختلاف المعتزلة ، ونوضح تناقضهم ، وتؤثر الصحيح من الأقوال . فإذا حكمنا بتضاد الاعتمادات ، فلا يثبت في الجوهر الواحد إلا اعتماد واحد في جهة واحدة ، وإن لم نحكم بتضاد الاعتمادات ، فيقوم بالجوهر الواحد ستة من الاعتمادات على حسب تعدد الجهات . ثم ليس للاعتماد على هذه الطريقة ضد ينفيه ، إذ الاعتمادات في أنفسها لا تتضاد على هذه الطريقة ، وليس لها ضد من غير قبيلها يقتضي نفيها . وكل عرض يقبله الجوهر ولا ضد له ، فلا يخلو عندنا منه ، كما لا يخلو عن العرض الذي له ضد وضده . ولهذا منعنا خلو الجوهر عن البقاء ، وإن لم يكن له ضد ، كما منعنا من خلوه عن الألوان والأكوان المتضادة . فلزم من ذلك وصف الجوهر بالاعتمادات وإحالة خلوه عنها ، إذ لو خلا عن اعتماد في جهة ، لوجب أن يقبل ضده ، وإن لم يكن له ضد ، وجب أن لا يعري عنه . وتفريعنا الآن على أنه لا ضد للاعتماد ، لا من قبيل الاعتماد ولا من غيره . ومما يتعلق بتفصيل مذهبنا أنا وإن حكمنا بقيام الاعتمادات بالجوهر الواحد ، فلا يجوز قيام اعتمادين من جهة واحدة بالجوهر . فإن كل متماثلين متضادان عندنا . فإن قال قائل : معولكم في منع قيام سوادين بالمحل الواحد ، على أنه لو قدر انتفاء أحدهما ، لوجب أن يعقبه ضد ، وضد أحد السوادين يضاد الثاني . فلزم من انتفاء أحدهما انتفاء الثاني . وهذا ليس يتحقق في الاعتمادين ، إذ لو انتفى أحدهما ، لم يلزم تقدير ضد له ، إذ لا ضد للاعتمادات . فالدلالة على إحالة اجتماع السوادين لا تتحقق في الاعتماد .